الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
135
نفحات القرآن
وقد شبّهها هنا بالفقير الذليل المسكين الذي لا يمتلك شيئاً ، ثم شبّهها بعد نزول المطر بالذي أُوتيَ مالًا كثيراً ولبس أفضل الثياب ، حيثُ يمشي بنشاط مرتفعَ الرأس مستقيماً تبدو آثار النعمة على وجهه « 1 » . وهناك أمرٌ آخر يمكن أن نستخلصه من هذا التعبير وهو درس من دروس الأخلاق ، فكما أنّ الأرض الخاشعة الخاضعة تشملها رحمةُ اللَّه فتحصل على كل آثار البركات والنمو والنشاط ، فإنّ عباد اللَّه الخاشعين والخاضعين تنالهم رحمة اللَّه الواسعة أيضاً ، وتنمو في نفوسهم براعم العلم والإيمان والتقوى . ووردت هذه المسألة في الآية السادسة بتعبير جديد من خلال بيان كيفية نزول المطرِ ، قال تعالى : « وَاللَّهُ الَّذِى أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَاحْيَينَا بِهِ الْارضَ بَعْدَ مَوتِهَا » ، « كَذَلِكَ النُّشُورُ » . وهذِهِ الآية في الحقيقة من أدلة إثبات المُبدئ تعالى أيضاً ، أي إثبات الذات الإلهيّة المقدّسة ، وفي نفس الوقت تستعمل دليلًا على المعاد ، فهو يشير في البداية إلى الآيات والبراهين الدالة على وجوده تعالى عن طريق بيان النظام الدقيق المهيمن على حركة الرياح والسحاب وسقي الأرض الميتة وإحيائها ، وأخيراً يشير إلى دليلٍ حيّ وعميق المعنى لإثبات المعاد . وجملةُ « كذلك النشور » بالإضافة إلى أنّها تشبّه إحياء الإنسان بإحياء الأرض الميّتة ، إلّا أنّها من الممكن أن تكون دليلًا على سوق الأرواح إلى الأبدان في يوم القيامة ويساق التراب المنتشر فيُجمع وتحلّ فيه الروح ، كما هو الحال في سوق الرياح للسُحُبِ وجمعها إلى بعضها كي تتلاقح وتهطل ثمارها التي هي عبارة عن قطرات المطر . وفي الحديث الشريف أنّ أحد أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله سأله قائلًا : كيف يحيي اللَّهُ
--> ( 1 ) تفسير الميزان ، ج 17 ، ص 419 .